لا أدري متي تنبهت لوجوده أو وجود هذا الكشك الصغير الذي لايتسع إلا لمكان يضع فيه كرسيه بالكاد ، كان يشبه شخصيه خرجت من أحد روايات نجيب محفوظ أو أحد لوحات صلاح عناني، أسمر صارم.....
يبدو حتي وهو جالس طويل حفر الزمان علي وجهه علامات من مر بالكثير وذاق الكثير،
إنه عم كامل بائع الجرائد .
دائما جالس في ذلك الكشك الصغير واضعاً أمامه جرائد يبيعها ويخفي جرائد أخري بجواره في هذا الحيز الضيق لم أكن أدري لماذا؟؟؟؟؟؟ أو لمن ؟؟يخبئها؟؟
اعتدت أن أشتري منه جرائدي منذ كنت في أول سنوات المرحله الإعداديه، كلامه قليل جدا حتي أنني اعتدت أن أعطيه النقود ولا أتكلم معه، فيخرج الجريده التي أفضلها.
في يوم لم أشتري جريدتي منه ذهبت لبائع آخر وقلت له" أريد الجريده"
فأخذ النقود ومنحني أول جريده أمامه.... نظرت مبتسمه ولم أرد إليه الجريده أخذتها معي للمنزل كي أتذكر عم كامل .
تتغير الايام وتختلف الجرائد ولا ينسي عم كامل ما أحب أن أقرأ يوم حتي أنه مع بدايه مهرجان القراءه للجميع كان يمنحني كتب يختارها هو ويخبئها من أجلي في احد الايام كنت ذاهبه إلي المدرسه كنت في الصف الاول أو الثاني الثانوي وأخرج لي كتاب عادل ثابت- الملك فاروق الذي غدر به الجميع-
ولم يكن معي نقود
قال لايهم عندما تعودي في الغد.
أخذت الكتاب وانا مبهوره قرأته ووقعت في غرام شخصيه الأميره فوزيه والسبب عم كامل.
لما أرادت أخت صديقتي أن تستعير مني الكتاب أخبرتها بقصه عم كامل
فقالت لي في أسي: مسكين لقد شاهدت الحادثة التي حدثت له!!!!!!!
فانتفضت في لحظه
قالت هوني عليكي سأحكي لك ما حدث له.
قالت لي:- لقد صدمت عم كامل سياره نقل اثناء تواجده في كشك الجرائد وكان ذلك منذ سنوات عديده.... وبترت ساقه نتيجه لهذه الحادثه.
شعرت بسكين يشق صدري وبألم شديد وتسألت كيف لم ألاحظ ساقه المبتوره؟؟؟!! ربما لاتبدو من وراء المنضده الخشبيه.
بعدها اعتدت علي رؤيته في تمام الثانيه والنصف ماراً بجوار مكتب توزيع الاهرام ,مستندا علي عكازه الخشبي ,حامل جرائده المتبقيه معه كان يغلق كشكه في الثانيه تمام ولايتأخر دقيقه واحده
وإن تغيبت عن شراء جريدتي المفضله أجدها مخبأة في ذلك الركن الصغير.
كنت أقول لأمي: أنا ذاهبه لإحضار الدستور من عم كامل.
يعطيني الجريده كمن يخشي أن يقبض علينا متلبسين بترويج منشورات لقلب نظام الحكم وأغلقت الدستور وعدت من جديد.
وعم كامل جالس في كشكه الخشبيه،
كبرت .. ولا أراه يتغير لم أعد طفله صغيره بذيل حصان، ولكنه يعاملني كذلك، يخبئ جرائدي ويمنحني كتب يختارها لي حتي وإن سافرت، وإن تغيبت أعود لأجد ما أريد وما أود أن أقرأ.
وفي يوم كنت أمر بالمصادفه من أمام كشكه القديم، لم أجده.. تعمدت أن أمر اليوم التالي الكشك مغلق،
يوم اثنين ثلاث ايام ووجدتني أمشي في الشارع باكية
حتي كان يوم ووجدت الكشك مفتوح ولم يكن عم كامل فيه، أسرعت أسأل عنه قال الرجل الموجود عم كامل في المستشفي .... دعواتك
بعدها بأيام وجدتهم يهدمون كشكه ويصنعون كشكاً آخر أكبر وأوسع وبه مكان لبيع الحلوي والمناديل وبعد يومين وجدت امرأه تقف مكان عم كامل تبدو صغيره السن ذهبت إليها
- ممكن جريده الدستور اليومي
- ممكن ولو حضرتك بتخديها كل يوم نبقي نشيلهالك
- فعلا عم كامل؟ .. كان عارف
- هو فين صحيح؟
- لسه مريض... أنا بنته
سعدت فهي أبنته أذن ومازال علي قيد الحياه
ربنا يرجعه بالسلامه
اعتدت علي الذهاب يوميا مع اني لا أتابع الدستور اليومي وأكتفي بالاسبوعي وكل مره أسأل عن عم كامل ونفس الاجابه
مازال مريضا
رأيت ابنته ترتدي ثوب أسود يوم خشيت ان أذهب لسؤلها عنه
وامتنعت عن الذهاب للكشك الجديد
فهو لايعني لي شئ و لا اجد فيه جرائدي كالمعتاد و لا أحب منظره البراق اللامع
أحب الكشك القديم وعم كامل وعكازه ووجه الصارم كقناع يخبئ به طيبته خوفا من أن يعرف الناس حقيقته وصوته الأجش المختبئ أيضا كهمهمات من مكان سحيق
سيبقي عم كامل في ذاكرتي كنقش أو وشم
كان يشاركني في حياتي دون أن يدري
ويبقي في ذاكرتي رغما عنه وعني.
No comments:
Post a Comment